🐝🦋 حين تمنت النحلة أن تكون فراشة
في مرجٍ أخضرَ واسع، حيثُ تبتسم الأزهار كل صباح، عاشت نحلةٌ صغيرةٌ مجتهدة. كانت تطير من زهرةٍ إلى زهرة، تجمع الرحيق بصبرٍ ونشاط، ثم تعود كل مساءٍ إلى خليتها متعبة… لكنها سعيدة بما أنجزته.
وفي الجهة الأخرى من المرج، عاشت فراشة جميلة، أجنحتها ملوّنة كقوس قزح. لا تحبّ العمل كثيرًا، بل تفضّل التنقّل بين الأزهار، ترقص وتغني، وتحتسي الرحيق للمتعة فقط.
كانت الفراشة تراقب النحلة بغيرةٍ خفيّة، وتقول في نفسها:
" لماذا يشكر الجميع النحل؟ ولماذا تحتاجه الأزهار؟ أما نحن الفراشات… فنحن فقط للزينة!"
اقتربت ليلة رأس السنة، وأضاءت اليراعات السماء، وتفتّحت الأزهار كأنها نجوم صغيرة. في تلك الليلة، اقتربت الفراشة من النحلة وقالت بصوتٍ ناعم:
"تعالي معي، سأريكِ عالمًا لا عمل فيه ولا تعب."
ترددت النحلة قليلًا، ثم ذهبت معها.
رأت عالم الفراشات المبهِر: فراشاتٌ جميلة ترقص وتغني، لا تستيقظ باكرًا، ولا تحمل همًّا، تعيش يومها كما تشاء. قالت الفراشة بفخر:
" هكذا نعيش طوال حياتنا!"
تسلّلت كلماتها إلى قلب النحلة، فعادت إلى خليتها حزينة، وقالت لأمها ملكة النحل:
"حياتنا صعبة… نعمل كثيرًا. أريد عطلة قصيرة، أريد أن أفرح مثل الفراشات… بل أتمنى أن أكون فراشة!"
نظرت الملكة إليها بحنان وقالت:
" خذي عطلة قصيرة يا صغيرتي، واكتشفي بنفسك."
عادت النحلة إلى عالم الفراشات. في البداية كانت سعيدة، ترقص وتضحك وتطير بلا تعب، لكنها مع مرور الأيام بدأت تشعر بشيءٍ غريب. كان الفرح سريعًا، ثم يختفي، وحلّ مكانه مللٌ وفراغ.
وعندما سئمت النحلة من حياة الفراش الفارغة، قررت العودة إلى مملكة النحل. وفي طريقها، بحثت عن صديقتها الفراشة، فوجدتها تبكي أمام زهرةٍ ذابلة.
سألتها بلطف:
" ما بكِ؟"
قالت الفراشة بحزن:
" أنا أشبه هذه الزهرة، جميلة… لكنني ذابلة. أشعر أن لا معنى لحياتي، وليس لي عمل أقوم به."
أخبرتها النحلة أن حياة النحل تحتاج إلى جسمٍ أقوى، وأنه لا يمكنها العيش في خلية النحل بتلك الأجنحة الكبيرة الجميلة.
قالت الفراشة بهدوء:
"أعرف ذلك، لا عليكِ… سأرجع إلى أصدقائي." ودّعت الفراشة صديقتها وطارَت. جلست النحلة تفكّر قليلًا، وتتأمّل كلماتها، فأدركت النعمة التي تعيشها في عالم النحل، عالمٍ تحكمه قوانين العمل والتعاون. شعرت أن عليها أن تخبر صديقتها شيئًا مهمًّا.
وبينما كانت النحلة في طريقها للحاق بها، لمحت طفلًا يحاول اصطياد الفراشة. طارت النحلة بأقصى قوتها، ودارت حول أنف الطفل، فانفزع وهرب. وهكذا استطاعت إنقاذ صديقتها.
انهارت الفراشة باكية، وقالت:
" أرأيتِ يا صديقتي نقمة الجمال؟ لو أن لي جسمًا مخيفًا يرعب الأعداء، وعملًا أشعر فيه بأهميتي في الحياة، لكان ذلك أفضل لي."
قالت النحلة بحماس:
" أنتِ أيضًا مفيدة!"
نظرت إليها الفراشة بعينين دامعتين، فتابعت النحلة:
"أجل، مفيدة للزهور! فأنتِ تساعدين في تلقيحها من خلال غبار الطلع العالق بأقدامكِ. عملكِ هو التنقّل من زهرةٍ إلى زهرة، وليس الرقص طوال الوقت."
هنا أفاقت الفراشة من غفلتها، وتذكّرت أنها تشارك في عملية تلقيح الزهور، مثل النحلة تمامًا.
عانقت الفراشة صديقتها، وطارَتا معًا نحو حقل الزهور، من أجل يومٍ جديدٍ مليءٍ بالعمل والأمل.
وعادت النحلة إلى عملها… بسعادة أكبر لأنها اختارت نفسها، وأحبّت ذاتها.
وأدركت الفراشة جمالها الحقيقي، وأهميتها في الحياة، وأنها جزءٌ من جمال الطبيعة.
فالجمال يفرح العين، لكن العطاء يفرح القلب.
وكل كائنٍ خُلق ليزهر ويعمل بطريقته.
مشم سعاد
mechem souad